أبوعمارمحمودأبوالنور
12-19-2009, 02:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
حول هجرة النبي صلى الله عليه وسلم
1- الهجرة والتوكل على الله .
2- الهجرة والأمل .
3- الهجرة والإخلاص .
4- الهم الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم .
5- الاعتزاز بالهجرة .
6- الهجرة وإقامة الدولة الإسلامية .
1) الجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب :
لابد للمسلم أن يجمع بين التوكل على الله أولاً : ثم الأخذ بالأسباب ثانياً ، قال تعالى : ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) الطلاق3 ، فنحن نتوكل على الله أولاً ليكون معنا، ثم نأخذ بالأسباب المشروعة ثانياً، والأخذ بالأسباب من التوكل على الله تعالى ، والتوكل على الله من العقيدة والإيمان والتوحيد ، ولا يجوز الأخذ بالأسباب دون التوكل على الله .
ولقد كان صلى الله عليه وسلم متوكلاً على ربه واثقاً بنصره يعلم أن الله كافيه وحسبه، ومع هذا كله لم يكن صلى الله عليه وسلم بالمتهاون المتواكل الذي يأتي بالأمور على غير وجهها .
ومن أعظم ما يستفاد هنا أن الواحد منا إذا توكل على الله تعالى وقام بما عليه وأخذ بما يستطيع من الأسباب فإن الله تعالى سيكمل له ما يحدث من نقص خارج عن الإرادة ، لذلك نجد فى الهجرة ، الله تعالى أغشى عيون المشركين أمام بيت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يروه وهو خارج ، ولم يجعلهم يلقون نظرة واحدة داخل الغار حتى لا يروا حبيبه صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، وأساخ أقدام فرس سراقة بن مالك في الرمال ، وألقى الرعب فى قلبه ، وشرح صدر بريدة وقومه للإسلام فآمنوا وقد خرجوا مشركين فعادوا مسلمين .
فبينما النبي صلى الله عليه وسلم فى طريق الهجرة إلى المدينة لقي بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمى ، فدعاه إلى الإسلام ، وقد غزا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة ، و أصبح بريدة بعد ذلك من الدعاة إلى الإسلام ، وفتح الله لقومه – أسلم – على يديه أبواب الهداية ، واندفعوا إلى الإسلام وفازوا بالوسام النبوي الذي نتعلم منه منهجاً فريداً في فقه النفوس ، قال صلى الله عليه وسلم : " أسلم سالمها الله ، وغفار غفر الله لها ، أما إنى لم أقلها ، ولكن قالها الله عز وجل".
ومن التوكل أيضاً : ألا نعتمد على الأسباب ونترك رب الأسباب وحاشا لله أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، وإنما كان يعلم أن الأسباب لا تأتى بنتائجها إلا إذا أراد الله عز وجل ، ولذلك بعد أن بذل أسبابه كاملة تحلى بيقين عظيم فى أ، ما أراده الله عز وجل سيكون وظهر ذلك في كلمته الرائعة : " ما ظنك فى اثنين الله ثالثهما " .
وظهر ذلك أيضاً في أنه لم يكن يكثر الالتفات فى الطريق ، فقد أدى ما عليه وما أراد الله عز وجل واقع لا محالة .
ونلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم أعد خطة محكمة ثم قام بتنفيذها بكل سرية واتقان .
فالقائد : محمد صلى الله عليه وسلم والمساعد أبو بكر رضي الله عنه والفدائي على رضي الله عنه والتموين : أسماء رضى الله عنها والاستخبارات عبد الله ، والتغطية وتعمية العدو عامر بن فهيرة ، ودليل الهجرة ، عبد الله بن أريقط ، والمكان المؤقت غار ثور ، وموعد الانطلاق : بعد ثلاثة أيام ، وخط السير : الطريق الساحلى .
وهذا كله شاهد على عبقريته صلى الله عليه وسلم وحكمته وفيه دعوة للأمة لاتخاذ أفضل الأسباب مع الاعتماد على الله مسبب الأسباب أولاً وآخراً .
فشأن المؤمن مع الأسباب المعتادة أن يقوم بها كأنها كل شئ فى الحياة ، ويتوكل على الله قبلها وبعدها ، لأن كل شئ لا يقام له إلا بإذن الله ، فإذا استفرغ المرء جهده فىأداء واجبه فأخفق بعد ذلك ، فإن الله لا يعاقبه على هزيمة نزلت به ، وكثيراً ما يرتب الإنسان مقدمات النصر ترتيباً حسناً ، ثم يجىء عون الله أعلى فيجعل هذا النصر مضاعف الثمار .
وما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم فى الهجرة تشريع لأمته من بعده ونحن مأمورون باتباعه والإقتداء به .
2) الهجرة تعلمنا عدم اليأس وتبث فينا روح الأمل :
لم يفقد الرسول صلى الله عليه وسلم روح الأمل في أي لحظة من لحظات حياته ، حتى فى هذه الرحلة الخطرة ، وهو يخرج من مكة بهذه الطريقة ، وهو مطلوب الرأس ، لا يأمن على حياته ولا على حياة أصحابه ، إذ به يبشر سراقة ليس فقط بظهور الإسلام على قريش أو على العرب ، بل بسقوط عرش كسرى تحت أقدام المسلمين، وأخذ كنوز كسرى غنيمة .
إن النبي صلى الله عليه وسلم يعطينا درساً كبيراً في الأمل والثقة بنصر الله عز وجل وتمكينه لأهل الحق ، وأن الباطل مهما استبد وطال به الأمر فهو إلى زوال ، وأن الحق سيعلو وينتصر ، وأن المستقبل لهذا الدين ، ها هو النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من مكة ، وهو لا يستطيع دفع الأذى عن نفسه ، والواقع الأليم يفرض نفسه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لا يفارقه الأمل في النصر والتمكين لحظة واحدة .
حاجتنا إلى الأمل :
اليوم نعيش في ظلمات الواقع الحالي فلابد من الأمل لأنه طريق النجاح والنصر والتمكين فأصحاب اليأس هم أهل الكفر ، فلا ينبغي للمسلم أن ييأس أبدا ، والأمل هو الرجاء ، وهو دافع نشاط الحياة ومخفف ويلاتها وباعث البهجة والسرور فيها ، فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل ، والأمل قوة دافعة تشرح الصدر للعمل وتخلق دواعي الكفاح من أجل الواجب وتبعث النشاط فى الروح والبدن وتدفع الكسول إلى الجد والاجتهاد ، وتدفع المجد إلى المدافعة والمداومة على جده والزيادة فيها ، وتدفع المخفق إلى تكرار المحاولة حتى ينجح ، وتحفز الناجح إلى مضاعفة الجهد ليزداد نجاحه، إن الذي يدفع الزارع إلى الكدح والعرق أمله في الحصاد ، والذي يغرى التاجر بالأسفار والمخاطر أمله في الربح . والذي يبعث الطالب إلى الجد والمثابرة أمله في النجاح ، والذي يحفز الجندي إلى الاستبسال وتحمل تكاليف الجهاد أمله في التحرر ، والذي يحبب إلى المريض الدواء المر أمله في العافية.
والذي يدعو المؤمن أن يخالف هواه ويطيع ربه أمله في رضوانه وجنته .
3) الهم الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم :
لأنه القائد العظيم ، عاش معاناة شعبه ، يهاجر كما يهاجرون ، يطارد كما يطاردون ، يتعب كما يتعبون ، يحزن كما يحزنون ، يعيش معهم حياتهم بكل ما فيها من آلام وتضحيات ، كان من الممكن أن ينقل الله عز وجل رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة بالبراق الذي نقله في لحظة من مكة إلى بيت المقدس ولكن أين القدوة في ذلك ؟وأين الأسوة ؟
ليت أولى الأمر في زماننا يتعلمون من النبي صلى الله عليه وسلم ليتهم يعيشون كرعيتهم ، ليتهم يفعلون مثل عمر رضي الله عنه .
4) الهجرة تعلمنا الإخلاص :
والمسلم لا يستطيع العيش بدون الإخلاص حتى لا ترد أعماله عليه فالإخلاص هو ثمرة التوحيد .
أبو بكر رضي الله عنه الذي قال عنه القرآن ( الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ) الليل18. وكان ينفق من ماله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الدعوة ، وقال عنه صلى الله عليه وسلم : " إنه ليس أحد أمن على نفسه وماله من أبى بكر " ، ومع ذلك رفض النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الراحلة من أبى بكر إلا بالثمن لأن الهجرة عمل تعبدي فأراد عليه الصلاة والسلام أن يتحقق الإخلاص بأن تكون نفقة هجرته خالصة من ماله دون غيره ، وهذا معنى حسن ، وهو درس في الإخلاص وتكميل أعمال القرب التي تفتقر إلى النفقة (كنفقة الحج ، وزكاة الفطر، وغيرها من الأعمال) فإن الأولى أن تكون نفقتها من مال المسلم خاصة .
5) الاعتزاز بالهوية والشخصية الإسلامية :
وهو درس التأريخ الهجري ، فالمسلم يعتز به بدينه وشخصيته التي تميزه عن غيره ، فلا يذوب كما يذوب الآخرون ، ولا يفقد هويته المختلفة عن الآخرين.
والتأريخ بالهجرة النبوية مظهر من مظاهر تميز الأمة المسلمة وعزتها ، ويعود أصل هذا التأريخ إلى عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فلما ألهم الله الفاروق أن يجعل للأمة تأريخاً يميزها عن الأمم الكافرة استشار الصحابة فيما يبدأ به التأريخ ، أيأرخون من مولده صلى الله عليه وسلم ؟ أم مبعثه صلى الله عليه وسلم ؟ أم هجرته صلى الله عليه وسلم؟ أم وفاته؟ و كانت الهجرة أنسب الخيارات ، أما مولده وبعثته فمختلف فيهما ، وأما وفاته فمدعاة للأسف والحزن عليه ، فهدى الله الصحابة على اختيار الهجرة منطلقاً للتأريخ الإسلامي .
وهذا العمل يحسب لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ، وظلت الأمة تعمل بهذا التأريخ قروناً طويلة ، حتى ابتليت في هذا العصر بالذل و الهوان ،ففقدت هيبتها ، وأعجبت بأعدائها ، واتبعتهم ، واستمعت إلى كلامهم ونصائحهم حتى هجرت معظم الدول الإسلامية تأريخها الإسلامي فلا يكاد يعرف إلا في المواسم كرمضان ، والحج ، وأرخت بتواريخ الملل المنحرفة .
لقد نسينا تأريخنا فأنسينا تأريخنا ، وأضعنا أيامنا فضاعت أيامنا .. وما لم نرجع إلى ديننا الذى هو عصمة أمرنا فسلام على مجدنا وعزنا .
6) الهجرة وإقامة الإسلام والدولة المسلمة :
قال العلامة محب الدين الخطيب : لو أننا فهمنا الحكمة التي انطوت عليها حادثة الهجرة ، وعلمنا أن كتاب الله الذي نتلوه قد أنحى باللائمة على جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في مكة يصلون ويصومون ولكنهم ارتضوا البقاء تحت جناح أنظمة تخالف الإسلام ، فلاقوه لهم على تغييرها ، ولم يهاجروا إلى قلعة الإسلام ليكونوا من جنوده ، لعلمنا أن الإسلام لا يكتفي من أهله بالصلاة والصوم ، بل يريد منهم مع ذلك أن يقيموا شرائعه في حياتهم ، آدابه في بيوتهم وأسواقهم وأنديتهم ومجامعهم ودواوين حكمهم ، وأن عليهم أن يتوسلوا بجميع الوسائل المشروعة لتحقيق هذا الفرض الإسلامي بادئين به من البيت وملاحظين ذلك في تربية من تحت أمانتهم من بنين وبنات ، ومتعاونين عليه مع من ينشد للإسلام الرفعة والازدهار من إخوانهم ، حتى إذا عم هذا الإصلاح أرجاء واسعة تلاشت تحت أشعته ظلمات الباطل ، فكان لهذا الأسلوب من أساليب الهجرة مثل هذه الآثار التي كانت لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفى كتاب الإمارة من صحيحه عن أبى عثمان النهدى أن مجاشع بن مسعود السلمى قال: جئت بأخي أبى معبد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح فقلت : يا رسول الله بايعه على الهجرة ، فقال صلى الله عليه وسلم : " قد مضت الهجرة بأهلها ، قال مجاشع : فبأي شئ تبايعه ؟ قال: على الإسلام والجهاد والخير ، قال أبو عثمان النهدى : فلقيت أبا معبد فأخبرته بقول مجاشع فقال : صدق . رواه مسلم
وفى كتب السنة وبعضه في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص وفضالة بن عبيد بن ناقد الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "المهاجر من هجر السيئات" رواه البخاري ومسلم ، فإلى الهجرة أيها المسلمون، إلى هجر الخطايا والذنوب ، إلى هجر ما يخالف تعاليم الإسلام في بيوتنا ، وما نقوم به من أعمالنا ، إلى هجر الضعف والبطالة والإهمال والترف والكذب والرياء ، ووضع الأشياء في غير موضعها .
حول هجرة النبي صلى الله عليه وسلم
1- الهجرة والتوكل على الله .
2- الهجرة والأمل .
3- الهجرة والإخلاص .
4- الهم الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم .
5- الاعتزاز بالهجرة .
6- الهجرة وإقامة الدولة الإسلامية .
1) الجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب :
لابد للمسلم أن يجمع بين التوكل على الله أولاً : ثم الأخذ بالأسباب ثانياً ، قال تعالى : ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) الطلاق3 ، فنحن نتوكل على الله أولاً ليكون معنا، ثم نأخذ بالأسباب المشروعة ثانياً، والأخذ بالأسباب من التوكل على الله تعالى ، والتوكل على الله من العقيدة والإيمان والتوحيد ، ولا يجوز الأخذ بالأسباب دون التوكل على الله .
ولقد كان صلى الله عليه وسلم متوكلاً على ربه واثقاً بنصره يعلم أن الله كافيه وحسبه، ومع هذا كله لم يكن صلى الله عليه وسلم بالمتهاون المتواكل الذي يأتي بالأمور على غير وجهها .
ومن أعظم ما يستفاد هنا أن الواحد منا إذا توكل على الله تعالى وقام بما عليه وأخذ بما يستطيع من الأسباب فإن الله تعالى سيكمل له ما يحدث من نقص خارج عن الإرادة ، لذلك نجد فى الهجرة ، الله تعالى أغشى عيون المشركين أمام بيت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يروه وهو خارج ، ولم يجعلهم يلقون نظرة واحدة داخل الغار حتى لا يروا حبيبه صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، وأساخ أقدام فرس سراقة بن مالك في الرمال ، وألقى الرعب فى قلبه ، وشرح صدر بريدة وقومه للإسلام فآمنوا وقد خرجوا مشركين فعادوا مسلمين .
فبينما النبي صلى الله عليه وسلم فى طريق الهجرة إلى المدينة لقي بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمى ، فدعاه إلى الإسلام ، وقد غزا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة ، و أصبح بريدة بعد ذلك من الدعاة إلى الإسلام ، وفتح الله لقومه – أسلم – على يديه أبواب الهداية ، واندفعوا إلى الإسلام وفازوا بالوسام النبوي الذي نتعلم منه منهجاً فريداً في فقه النفوس ، قال صلى الله عليه وسلم : " أسلم سالمها الله ، وغفار غفر الله لها ، أما إنى لم أقلها ، ولكن قالها الله عز وجل".
ومن التوكل أيضاً : ألا نعتمد على الأسباب ونترك رب الأسباب وحاشا لله أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، وإنما كان يعلم أن الأسباب لا تأتى بنتائجها إلا إذا أراد الله عز وجل ، ولذلك بعد أن بذل أسبابه كاملة تحلى بيقين عظيم فى أ، ما أراده الله عز وجل سيكون وظهر ذلك في كلمته الرائعة : " ما ظنك فى اثنين الله ثالثهما " .
وظهر ذلك أيضاً في أنه لم يكن يكثر الالتفات فى الطريق ، فقد أدى ما عليه وما أراد الله عز وجل واقع لا محالة .
ونلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم أعد خطة محكمة ثم قام بتنفيذها بكل سرية واتقان .
فالقائد : محمد صلى الله عليه وسلم والمساعد أبو بكر رضي الله عنه والفدائي على رضي الله عنه والتموين : أسماء رضى الله عنها والاستخبارات عبد الله ، والتغطية وتعمية العدو عامر بن فهيرة ، ودليل الهجرة ، عبد الله بن أريقط ، والمكان المؤقت غار ثور ، وموعد الانطلاق : بعد ثلاثة أيام ، وخط السير : الطريق الساحلى .
وهذا كله شاهد على عبقريته صلى الله عليه وسلم وحكمته وفيه دعوة للأمة لاتخاذ أفضل الأسباب مع الاعتماد على الله مسبب الأسباب أولاً وآخراً .
فشأن المؤمن مع الأسباب المعتادة أن يقوم بها كأنها كل شئ فى الحياة ، ويتوكل على الله قبلها وبعدها ، لأن كل شئ لا يقام له إلا بإذن الله ، فإذا استفرغ المرء جهده فىأداء واجبه فأخفق بعد ذلك ، فإن الله لا يعاقبه على هزيمة نزلت به ، وكثيراً ما يرتب الإنسان مقدمات النصر ترتيباً حسناً ، ثم يجىء عون الله أعلى فيجعل هذا النصر مضاعف الثمار .
وما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم فى الهجرة تشريع لأمته من بعده ونحن مأمورون باتباعه والإقتداء به .
2) الهجرة تعلمنا عدم اليأس وتبث فينا روح الأمل :
لم يفقد الرسول صلى الله عليه وسلم روح الأمل في أي لحظة من لحظات حياته ، حتى فى هذه الرحلة الخطرة ، وهو يخرج من مكة بهذه الطريقة ، وهو مطلوب الرأس ، لا يأمن على حياته ولا على حياة أصحابه ، إذ به يبشر سراقة ليس فقط بظهور الإسلام على قريش أو على العرب ، بل بسقوط عرش كسرى تحت أقدام المسلمين، وأخذ كنوز كسرى غنيمة .
إن النبي صلى الله عليه وسلم يعطينا درساً كبيراً في الأمل والثقة بنصر الله عز وجل وتمكينه لأهل الحق ، وأن الباطل مهما استبد وطال به الأمر فهو إلى زوال ، وأن الحق سيعلو وينتصر ، وأن المستقبل لهذا الدين ، ها هو النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من مكة ، وهو لا يستطيع دفع الأذى عن نفسه ، والواقع الأليم يفرض نفسه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لا يفارقه الأمل في النصر والتمكين لحظة واحدة .
حاجتنا إلى الأمل :
اليوم نعيش في ظلمات الواقع الحالي فلابد من الأمل لأنه طريق النجاح والنصر والتمكين فأصحاب اليأس هم أهل الكفر ، فلا ينبغي للمسلم أن ييأس أبدا ، والأمل هو الرجاء ، وهو دافع نشاط الحياة ومخفف ويلاتها وباعث البهجة والسرور فيها ، فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل ، والأمل قوة دافعة تشرح الصدر للعمل وتخلق دواعي الكفاح من أجل الواجب وتبعث النشاط فى الروح والبدن وتدفع الكسول إلى الجد والاجتهاد ، وتدفع المجد إلى المدافعة والمداومة على جده والزيادة فيها ، وتدفع المخفق إلى تكرار المحاولة حتى ينجح ، وتحفز الناجح إلى مضاعفة الجهد ليزداد نجاحه، إن الذي يدفع الزارع إلى الكدح والعرق أمله في الحصاد ، والذي يغرى التاجر بالأسفار والمخاطر أمله في الربح . والذي يبعث الطالب إلى الجد والمثابرة أمله في النجاح ، والذي يحفز الجندي إلى الاستبسال وتحمل تكاليف الجهاد أمله في التحرر ، والذي يحبب إلى المريض الدواء المر أمله في العافية.
والذي يدعو المؤمن أن يخالف هواه ويطيع ربه أمله في رضوانه وجنته .
3) الهم الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم :
لأنه القائد العظيم ، عاش معاناة شعبه ، يهاجر كما يهاجرون ، يطارد كما يطاردون ، يتعب كما يتعبون ، يحزن كما يحزنون ، يعيش معهم حياتهم بكل ما فيها من آلام وتضحيات ، كان من الممكن أن ينقل الله عز وجل رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة بالبراق الذي نقله في لحظة من مكة إلى بيت المقدس ولكن أين القدوة في ذلك ؟وأين الأسوة ؟
ليت أولى الأمر في زماننا يتعلمون من النبي صلى الله عليه وسلم ليتهم يعيشون كرعيتهم ، ليتهم يفعلون مثل عمر رضي الله عنه .
4) الهجرة تعلمنا الإخلاص :
والمسلم لا يستطيع العيش بدون الإخلاص حتى لا ترد أعماله عليه فالإخلاص هو ثمرة التوحيد .
أبو بكر رضي الله عنه الذي قال عنه القرآن ( الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ) الليل18. وكان ينفق من ماله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الدعوة ، وقال عنه صلى الله عليه وسلم : " إنه ليس أحد أمن على نفسه وماله من أبى بكر " ، ومع ذلك رفض النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الراحلة من أبى بكر إلا بالثمن لأن الهجرة عمل تعبدي فأراد عليه الصلاة والسلام أن يتحقق الإخلاص بأن تكون نفقة هجرته خالصة من ماله دون غيره ، وهذا معنى حسن ، وهو درس في الإخلاص وتكميل أعمال القرب التي تفتقر إلى النفقة (كنفقة الحج ، وزكاة الفطر، وغيرها من الأعمال) فإن الأولى أن تكون نفقتها من مال المسلم خاصة .
5) الاعتزاز بالهوية والشخصية الإسلامية :
وهو درس التأريخ الهجري ، فالمسلم يعتز به بدينه وشخصيته التي تميزه عن غيره ، فلا يذوب كما يذوب الآخرون ، ولا يفقد هويته المختلفة عن الآخرين.
والتأريخ بالهجرة النبوية مظهر من مظاهر تميز الأمة المسلمة وعزتها ، ويعود أصل هذا التأريخ إلى عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فلما ألهم الله الفاروق أن يجعل للأمة تأريخاً يميزها عن الأمم الكافرة استشار الصحابة فيما يبدأ به التأريخ ، أيأرخون من مولده صلى الله عليه وسلم ؟ أم مبعثه صلى الله عليه وسلم ؟ أم هجرته صلى الله عليه وسلم؟ أم وفاته؟ و كانت الهجرة أنسب الخيارات ، أما مولده وبعثته فمختلف فيهما ، وأما وفاته فمدعاة للأسف والحزن عليه ، فهدى الله الصحابة على اختيار الهجرة منطلقاً للتأريخ الإسلامي .
وهذا العمل يحسب لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ، وظلت الأمة تعمل بهذا التأريخ قروناً طويلة ، حتى ابتليت في هذا العصر بالذل و الهوان ،ففقدت هيبتها ، وأعجبت بأعدائها ، واتبعتهم ، واستمعت إلى كلامهم ونصائحهم حتى هجرت معظم الدول الإسلامية تأريخها الإسلامي فلا يكاد يعرف إلا في المواسم كرمضان ، والحج ، وأرخت بتواريخ الملل المنحرفة .
لقد نسينا تأريخنا فأنسينا تأريخنا ، وأضعنا أيامنا فضاعت أيامنا .. وما لم نرجع إلى ديننا الذى هو عصمة أمرنا فسلام على مجدنا وعزنا .
6) الهجرة وإقامة الإسلام والدولة المسلمة :
قال العلامة محب الدين الخطيب : لو أننا فهمنا الحكمة التي انطوت عليها حادثة الهجرة ، وعلمنا أن كتاب الله الذي نتلوه قد أنحى باللائمة على جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في مكة يصلون ويصومون ولكنهم ارتضوا البقاء تحت جناح أنظمة تخالف الإسلام ، فلاقوه لهم على تغييرها ، ولم يهاجروا إلى قلعة الإسلام ليكونوا من جنوده ، لعلمنا أن الإسلام لا يكتفي من أهله بالصلاة والصوم ، بل يريد منهم مع ذلك أن يقيموا شرائعه في حياتهم ، آدابه في بيوتهم وأسواقهم وأنديتهم ومجامعهم ودواوين حكمهم ، وأن عليهم أن يتوسلوا بجميع الوسائل المشروعة لتحقيق هذا الفرض الإسلامي بادئين به من البيت وملاحظين ذلك في تربية من تحت أمانتهم من بنين وبنات ، ومتعاونين عليه مع من ينشد للإسلام الرفعة والازدهار من إخوانهم ، حتى إذا عم هذا الإصلاح أرجاء واسعة تلاشت تحت أشعته ظلمات الباطل ، فكان لهذا الأسلوب من أساليب الهجرة مثل هذه الآثار التي كانت لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفى كتاب الإمارة من صحيحه عن أبى عثمان النهدى أن مجاشع بن مسعود السلمى قال: جئت بأخي أبى معبد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح فقلت : يا رسول الله بايعه على الهجرة ، فقال صلى الله عليه وسلم : " قد مضت الهجرة بأهلها ، قال مجاشع : فبأي شئ تبايعه ؟ قال: على الإسلام والجهاد والخير ، قال أبو عثمان النهدى : فلقيت أبا معبد فأخبرته بقول مجاشع فقال : صدق . رواه مسلم
وفى كتب السنة وبعضه في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص وفضالة بن عبيد بن ناقد الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "المهاجر من هجر السيئات" رواه البخاري ومسلم ، فإلى الهجرة أيها المسلمون، إلى هجر الخطايا والذنوب ، إلى هجر ما يخالف تعاليم الإسلام في بيوتنا ، وما نقوم به من أعمالنا ، إلى هجر الضعف والبطالة والإهمال والترف والكذب والرياء ، ووضع الأشياء في غير موضعها .