خالد الواعي
11-17-2009, 02:14 AM
هل سألت نفسك يوما
هل أنت بخيل أم سخي؟
عجبا يفعل المرء بنفسه
يحرمها من حقها في الملذات الحلال
ويغلق علي ذويه وزوجه ابواب الخيرات
التي ساقها الله لهم
فهو يتطلع الى غد ربما لم يبلغه
ويدعي تأمين مستقبل
ربما كان شاهدا علي علله ومهلكه
وما جناه علي نفسه وغيره
من حرمان التمتع بحق العيش الحميد
فكدس الرزق الى أن كبر وسمن
وضعف هو وأهله وطعنوا ورق العظم
وعجزت الأقدام عن المسير
فتقوقع الجسد وتراكم في مكان
حتي أصبح لا يتحرك إلا بنقلات الغير
أو دفع لعجلات السير ،
البخل داء فتاك كم فرق بين أحباب، وأغلق بيوتاً، وهدم أسراً، ودمر مجتمعات، وزرع الحقد والغل في الصدور، فتقطعت الأواصر، وانصرمت الوشائج، وقام على أساسه سوق الحسد والبغض، وهو من أدوء الأدواء وأخبثها، يشعر بأن صاحبه لا يثق في الله تعالى، فهو دائماً يسيء الظن بخالقه، ويحسب أنه لن يرزقه، ولن يكرمه، وأن هذا الذي بين يديه من الخير والمال والنعمة لو انقضى فلن يأتي بعده خيرٌ، ولن يخلف الله عليه بسواه، وأن أمواله لو تصدق منها صار فقيراً معوزاً كالمتصدق عليهم، وما أيقن هؤلاء الظانين بالله ظن السوء أن المال لا تنقصه الصدقة بل تنميه وتبارك فيه.
وهو مع ذلك يمنع صاحبه السيادة فالبخيل ليس بسيد في قومه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سيدكم يا بني سلمة؟" قلنا: الجد بن قيس، على أنا نبخله. قال: "أي داء أدوى من البخل! بل سيدكم عمرو بن الجموح"(1).ـ البخاري (الادب المفرد)
الحرص على المال والشرف
عن كعب رضي الله عنه مرفوعاً :' ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه' صححه الترمذي .
الهلع والجبن
وقول الله تعالى : ' إن الإنسان خلق هلوعاً ' الآيتين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : ' شر ما في الرجل شح هالع ، وجبن خالع ' رواه أبو داود بسند جيد .
ولمسلم عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً : ' اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم ' .
وقول الله تعالى : ' الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ' وقوله تعالى : ' وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ' . عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' من سيدكم يا بني سلمة ؟ ـ قالوا الجد ابن قيس على أنا نبخله قال : وأي داء أدوأ من البخل ، بل سيدكم عمرو بن الجموح ' رواه البخاري في الأدب المفرد .
عقوبة البخل
وقول الله تعالى : ' سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ' فيه ' لا توعى فيوعى الله عليك كما في الحديث الآخر ' ارضخي يرضخ لك ' أي وسعي يوسع لك وقوله عليه السلام : ' اللهم اعط كل ممسك تلفاً وكل منفق خلفاً ' .
بلا ريب من منكم تسمون سيدا
فقالوا له جد بن قيس على التي
نبخله فيها وإن كان أسودا
فسود عمر بن الجموح لجوده
وحق لعمرو بالندى أن يسودا
إذا جاءه السؤال أذهب ماله
وقال خذوه إنه عائد غدا
فلو كنت يا جد بن قيس على التي
على مثلها عمرو لكنت مسودا
فانظر كيف عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم البخل داءً مانعاً من سيادة الرجل وإمامته قومه وتقدمه على عشيرته، وانظر كيف سود على القوم أنداهم كفاً وأوسعهم عطاء وأكرمهم وأبذلهم للمعروف.
وما يفعل العبد بالمال إن لم يكتسب به الحسنات ورفعة الدرجات، أو الذكر الحسن في الدنيا، والسعادة فيها مع السعادة الخالدة في الآخرة، وقد نسب إلى الإمام الشافعي أنه قال:
الناس بالناس ما دام الحياة بهم
والسعد لا شك تارات وهبات
وأسعد الناس من بين الورى رجل
تقضى على يده للناس حاجات
لا تمنعن يد المعروف عن أحد
ما دمت مقتدراً فالسعد تارات
واشكر فضائل صنع الله إذ جعلت
إليك لا لك عند الناس حاجات
قد مات قوم وما ماتت مآثرهم
وعاش قوم وهم في الناس أموات
وقد قال الله تعالى في محكم تنزيله ذاماً البخلاء: (وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وما يغني عنه ماله إذا تردى) [الليل: 7-10]، وهذا ذم ووعيد من الله للبخلاء بأن يجعل عاقبة أمرهم عسراً فلا يعرف اليسر والسهل إليهم سبيلاً وهذا حظ البخلاء يشقي أحدهم في جمع المال ويتعب ثم لا يجد من ذلك المال راحة لكونه لا يمتع به نفسه ولا ينعم به في حياته ولا يصرفه في وجوه الخير ولا يعرف لله فيه حقاً فيكون العسر الأكبر يوم القيامة فيحاسب على كل درهم ودينار فما أبأس البخلاء يعيشون عيش الفقراء ويحاسبون حساب الأغنياء.
وقد نهى الله تعالى نبيه الكريم عن البخل فقال: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً) [الإسراء: 29]، فلم يكن البخل يعرف طريقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من أندى الناس كفاً ما يقع شيء في كفه إلا أنفقه.
ووصف الله تعالى عباده المؤمنين الذين أضافهم إلى نفسه فسماهم عباد الرحمن فنفى عنهم البخل فقال: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوماً)[الفرقان:67]، وحذر الله تعالى البخلاء الذين يزين لهم الشيطان البخل والإمساك مبيناً أن البخل شر عظيم وداء عضال مهلك قال الله تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير)[آل عمران: 180].
ومع ذلك قد يفرح البخيل بما أمسكت يده، ويحسب أنه قد رابح، ويعجب بكثرة ماله، وما علم أن هذا المال سيطوقه في نار جهنم إن لم يرحمه الله.
وبين الحق جل وعلا أن البخل لا يعود ضرره إلاّ على أهله فقال عز من قائل: (هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)[محمد: 38].
نقيض البخل
الكرم خلق المسلم الأصيل ...يسمو به في مدارج الرفعة والإيمان ويجمله بين الخلائق ، وفضيلة تبلغ بصاحبها عظيم منازل الآخرة، وفسيح نَعْمائها، قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ...} (آل عمران: 133، 134).
فعدّ سبحانه أصحاب الجود والكرم والسخاء من الذين استوفوا الشرط الأول لدخول ميدان المنافسة والسباق إلى المغفرة والجنة، وتحققوا بالصفة الأولى لاستحقاق جزاء المتقين الذين أُعدَّت لهم جنات عظيمة الاتساع لا يحيط بنعيمها طول ولا عرض.وكأن التقوى التي تضيء في جنبات المؤمن، وتتألق في صدره، تحمله على أن يكون من أكثر الناس كرمًا، كلما رغب أن يزداد من الله قربًا، فكلما استشعر ما أعده الله من النعيم للكرماء الأسخياء الباذلين في سبيله ازداد سخاء وبذلاً، وكلما قويت صلته بالله ازداد شعوره بثمرات الكرم عمقًا، وزاد عطاؤه امتدادًا وسعة.
عطاؤك.. رصيد مذخور
فلا عجب أن يكون المسلم الحق كريمًا جوادًا، تنبسط يداه بالخير والعطاء، لتفيضا بهما على أهله وأقربائه وجيرانه وأصدقائه، بل ومجتمعه متى استطاع إلى ذلك سبيلاً، وامتلأت يداه.
فإنه حين ينفق ويبذل في سخاء يثق بأن ما يقدمه ويهبه لن يضيع؛ إذ هو يحتسبه مذخورًا له عند العليم الخبير، قال تعالى: {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} (البقرة: 273).
كما يثق بأن ما يبذله وينفقه هو أول من ينتفع ويستفيد به في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله، وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} (البقرة: 272).
فالمنفق الباذل ينتظره النماء والبركة والفضل، والممسك الشحيح ينتظره التلف والنقصان، كما أخبر النبي r: "ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا" (متفق عليه).
السخي قريب من الله
ولقد قدر الإسلام مكانة المال في نفوس أصحاب الأموال، ولم يهمل دوره الحيوي في المجتمع، فوجدنا دعوة الإسلام إلى الجود والإنفاق مستمرة دائمة تفيض بها نصوصه فيضًا، كما وجدنا حربه على الشح والبخل عظيمة ممتدة.
قال رسول الله r: "السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد عن النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالي من عابد بخيل" (رواه الترمذي).
فأي دلالة تلك التي يمكن أن يعيها المسلم عن فضل السخاء والكرم إذا وصل الأمر أن يصبح الجاهل خير من العابد الصوام القوام حين يكون بخيلاً، ذلك أن عبادة لا تهدي صاحبها إلى بذل الخيرات، ونفع الآخرين، والحنو على الفقراء والمحتاجين، هي عبادة فارغة المضمون، تشين صاحبها ولا تزينه عند الله، فإن شريعة الله لم تنزل لعباده إلا لتحقيق غايات نبيلة، وأخلاق كريمة يسعد بها بنو البشر جميعًا، ويأتي في الصدارة منها: تنشئة النفوس على فعل الخيرات، وإسداء المعروف، وبذل العون، لا ليسعد بها فاعلوها فحسب، بل لتنشر السعادة والأمان، ومشاعر الرأفة والحنان، وتوطِّد علاقات المودة والمحبة بين الناس على اختلاف طبقاتهم.
نعمة نغبط عليها
وإنه لشر ما بعده شر أن تتغلب طبائع الأثرة على الناس، فلا تهزهم السماحة إلى بذل، ولا إغداق النعم عليهم إلى الإنفاق؛ إذ ما بالك بمجتمع يعتاد أغنياؤه كنز أموالهم، وحرمان الفقراء حقوقهم المفروضة فيها من الزكوات والصدقات، إنه يصير غابة يزداد فيها الأغنياء تضخمًا وضراوة، ويتضوّر فيها الفقراء جوعًا ومسغبة، فضلاً عما يختلط بدماء المعدمين البؤساء عندئذ من الأحقاد والغل على أولئك الكانزين المترفين الممتلئين جشعًا وحرصًا.
من أجل ذلك، كان رسول الله r حريصًا على تأصيل فضيلة الكرم في نفوس أصحابه الأبرار، وجعلها من الفضائل التي رغّب وحسّن للمسلمين أن يتحلَّوا بها، ويتنافسوا فيها، فقال رسول الله r: "لا حسد إلا في اثنتين، رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها" (متفق عليه).
فسوّى رسول الله r بين إنفاق المال والسخاء به -إلى حد إهلاكه- في الحق، وبين الحكمة والقضاء بها وتعليمها، فيما ينبغي للمسلم ألا يغبط الآخرين إلا عليه، وذلك لما في البذل في سبيل الحق من وقع كبير، ونفع بالغ في حياة المسلمين الاجتماعية؛ فالمال عصب الحياة الحساس، وهلكته في سبيل الحق عمل عظيم لا يقل عن عبقرية ذي الحكمة الموهوب ونفعها للناس.
أفضل وسائل كسب القلوب
وكان صلوات الله وسلامه عليه يدرك ما للمال من أثر في النفوس، فاتخذه وسيلة لتأليف القلوب واستمالتها للإسلام، ولا يستكثر أن يبذل الكثير الكثير في سبيل كسب جديد إلى صف الدعوة؛ لأنه يعلم أن هذا الذي تطلع إلى المال أول الأمر، لن يلبث الإسلام متى دخل في شغاف قلبه، أن يحوله إلى إنسان آخر يكون بذله للإسلام أحبّ إليه، وأسعد لقلبه من الدنيا وما فيها، وهذا ما تحدثنا به الوقائع والحقائق لا الخيالات والأوهام.
يقول أنس بن مالك: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ r غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَسْلِمُوا فَوَاللهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ. ثم قال أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا" (رواه مسلم).
ولا عجب بعدئذ أن نجد في الجيل الأول من ارتفع إلى مستوى عالٍ من الجود، فإذا هو يجود بماله كله في سبيل الله، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، ومن يجود بنصف ماله كما فعل عمر رضي الله عنه، ومن يجهز جيشًا بأكمله كما فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه، حتى قال رسول الله r في مقالة ذات مغزى عميق: "مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ". مَرَّتَيْنِ (رواه الترمذي).
هذا المغزى مفاده: أن الفوز بخيري الدنيا والآخرة لا يحرزه إلا من نجح في قمع دوافع البخل في نفسه حتى عودها التكرم والسخاء، ويؤكده قوله تعالى: {وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (التغابن: 16).
وأن البذل الواسع، والكرم الفائض من أعظم أسباب محو الذنوب، ومغفرة الخطايا، قال تعالى: {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (البقرة: 271).
وتتضافر نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة في بيان وتأكيد أثر الصدقات العظيم في حاضر الإنسان ومستقبله ومعاده الأخروي، قال تعالى: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} (الليل: 5-7) فالتيسير يلازمه، والتوفيق يحالفه، وقال رسول الله r: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب" (رواه الطبراني في الكبير) فهو محفوظ في حياته، آمن من غضب الله في مآله.
وقال أيضًا r: "حصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة" (رواه أبو داود) فالصدقة تدفع البلاء، وتجلب الشفاء.
كما أنه ليس أشق على الشيطان، ولا أدحر لكيده، ولا أبطل لوسوسته، من إخراج الصدقات في سبيل الله، لما يعنيه هذا من يقين جازم وحازم بما يُدخَّر له عند الله من الثواب والأجر، قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة: 268).
كن كريمًا ولو كنت فقيرًا
فالمسلم الحق كريم مهما كان فقيرًا، ومهما كان عطاؤه قليلاً، فحسب الإسلام منه أن تموج في نفسه عاطفة الرحمة بمن هو أفقر منه؛ فجاءت نصوص عديدة تحض الفقراء على الإنفاق ولو بالقليل، بحسب استطاعتهم، لتبقى نفوسهم ريّانة بنداوة المشاركة الوجدانية لإخوانهم، ووعدهم الله، على نفقتهم مهما كانت يسيرة قليلة، أن يكافئهم عليها، ويُثمِّرها لهم، ويبارك فيها، حتى تصير كالطود الشامخ، شريطة أن تكون من كسب حلال، قال تعالى: {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (التوبة: 121).
وأخبرنا r أنه: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل" (رواه البخاري).
وذلك لئلا تجف ينابيع الخير والرحمة والتعاطف بين أفراد المجتمع المسلم، بل ولقد حذر الرسول الكريم من الإمساك والإقتار مهما كان ما لديك قليلاً يسيرًا؛ لأن في ذلك مهلكة وعذابًا وبوارًا، قال r: "اتقوا النار ولو بشق تمرة" (متفق عليه). وبذلك فعَّل الإسلام ونشَّط جميع الأفراد في بناء المجتمع وخدمته وتحسينه، وأدخل الراحة والسرور والابتهاج على قلوب أبنائه جميعًا بهذه المشاركة التي ترد للإنسان اعتباره، وتحفظ كرامته، وتحقق مثوبته.
وقد يحسب بعض الناس أن السخاء ينقص ثروتهم، أو يدنيهم من الفقر، أو يعرِّض أبناءهم للحاجة والمسألة من بعدهم، والإسلام انتبه إلى خطر هذا الحسبان الذي يمكن أن يحجب المسلم عن خير عميم يمكن أن يبذله، فأكد لنا النبي r أن هذا من وساوس الشيطان التي لا حقيقة لها، فإن الكرم طريق السعة، والسخاء سبب النماء؛ فقال r: "ثلاثة أقسم عليهن: ما نقص مال عبد من صدقة..." (رواه ابن ماجه).
وقال أيضًا r: "قال الله تبارك و تعالى: يا ابن آدم، أنفق أنفق عليك" (رواه مسلم). وكان r يوصي أسماء بنت أبي بكر بقوله: "أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك"[1] (متفق عليه).
بل واعتبر الإنفاق والحال هكذا من أعظم القربات، وذلك حين أتاه رجل يسأله أي الصدقة أفضل، وأعظمها أجرًا؟ فأجابه r قائلاً: "أن تَصدَّقَ وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا..." (متفق عليه).
ومن أجلى معاني الكرم وأدلها على إيمان المرء ونبله وخيره، إكرام الضيف، وحسن استضافته، قال r: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" (متفق عليه)، وقال أيضًا: "لا خير فيمن لا يضيف" (رواه أحمد).
وقد مدح الله الأنصار بما لاقوا به إخوانهم المهاجرين حين نزلوا ضيوفًا عليهم، من كرم عظيم، وسخاء عميم، أشادت به آيات القرآن الكريم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: 9).
لتبقي صورة الأنصار الوضيئة في القرآن منار هداية وإشعاع للإنسانية الضاربة في تيه المطامع والشح والإمساك، حيث لم يكفهم أن يبلغوا مرتبة الكرم والإحسان، حتى ارتقوا إلى درجة الإيثار.
أولى الناس بفضلك
وأقرباء المسلم أولى الناس وأجدرهم بنيل فضله، وإدراك نواله، سواء ممن كانوا ظاهري الحاجة والفقر، أو كانوا من المساكين المتعففين الذين لا يسألون الناس إلحافًا، لقوله r: "يا أمة محمد والذي بعثني بالحق، لا يقبل الله صدقة من رجل وله قرابة محتاجون إلى صلته ويصرفها إلى غيرهم، والذي نفسي بيده لا ينظر الله إليه يوم القيامة" (رواه الطبراني).
وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها قالت: قال رسول الله r: "تصدقن يا معشر النساء ولو من حُليِّكُن[2]" (رواه مسلم). فلما سمِعتْ ذلك وكان زوجها فقيرًا وأرادت أن تتصدق، سألت النبي r إن كان يجزئ عنها أن تتصدق على زوجها الفقير وأيتام في حجرها، فقال r مرغبًا في هذه الصدقة، ومُبشرًا بمضاعفة الأجر: "نعم أجر القرابة وأجر الصدقة".
ثم أكد على ذلك في مناسبة أخرى فقال: "الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة" (رواه الترمذي).
سخاؤك نعمة.. فلا تحولها لنقمة
لقد كان الإسلام رحيمًا واقعيًا بالمسلمين إذ لم يكلفهم ما لا يطيقون، ولم يطلب منهم إلا أن يبذلوا فضول أموالهم، ولم يَلُم ذوي الكفاف، أما ما زاد عن الحاجة فهو داخل في باب المنافسة في الكرم، والمسلم الحق لا يمسك في وجه من وجوه الخير؛ لأنه تعلم من هدي دينه أن في بذله خيرًا، وفي إمساكه شرًا، قال رسول الله r: "يا بن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تُلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير وأحب إلى الله من اليد السفلي" (رواه الترمذي)، كما يعلم أن الله إذا وفقه للعطاء والبذل في سبيله، فإنه ينبغي ألا يمن على من أعطاهم، لئلا يحبط عمله، ويضيع ثواب كرمه ونفقته، قال تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 262).
ويقول تعالى أيضًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى} (البقرة: 264).
بل إنه يسعي في إخفاء صدقته، وحفظ كرامة أخيه المحتاج، مستشعرًا فضل الله عليه الذي جعله من الباذلين، والأجر الجزيل بانتظاره؛ جزاء إدخال السرور على أخيه المسلم، وإخلاصه في تقديم صدقته، قال رسول الله r: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وذكر منهم: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (متفق عليه).
بل أنه ليتخير صدقته من أفضل ما عنده، رجاء وطلبًا لمنزلة الأبرار، قال تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} (آل عمران: 92)، وهي منزلة من أعلى منازل الجنان والنعيم، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ . كتاب مرقوم . يشهده المقربون . إن الأبرار لفي نعيم} (المطففين:18-22).
وإذا كان الكرم نعم الرصيد المذخور، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" وذكر أولَهُن التكرم والبذل فقال: "صدقة جارية.." (رواه مسلم)، كما هو زين للمرء بين الناس، وستر لعيبه، وجبر لهفواته وهناته، يقول الإمام الشافعي:
إذا كثرتْ عُيوبك في البَرايا *** وسرَّك أن يكون لها غِطاءُ
تستَّر بالسَّخاء فكلُّ عَيبٍ *** يُغطِّيه كما قِيلَ السَّخاءُ
ألا يدعونا ذلك أن نُعوّد أنفسنا الجود والعطاء، مهما كان ما نملكه قليلاً، لنظفر بخيري الدنيا والآخرة، اللذين لا ينالهما إلا من وُقي شُحَّ نفسه، قال تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
ومن الوسائل المعينة على قهر وغلبة رذيلة البخل في النفس، والتحلي بمكرمة وخليقة الكرم: أن نخصص جزءًا من مصروفنا الشهري للإنفاق على الفقراء والمحتاجين والأعمال الدعوية، والمشاركة في معارض التكافل بإرسال ملابس وخلافه، ونتصدق ولو باليسير من المال أسبوعيًا، ونتحرَّى إخراج زكاة المال والحلي في وقتها، ونشارك في فك ضائقة مسلم إذا أمكن (دين - تجهيز عروسة)، ولا ننفق الكثير على الكماليات لئلا تستغرق أموالنا فيفوتنا خير كثير، ونشجع الآخرين -وبخاصة نساؤنا وفتياتنا وبناتنا- على البذل ليعم الخير، ويزداد أجرنا؛ لأن الدال على الخير كفاعله، (فمثلاً ندعوهن إلى الإنتاج في معارض الأسر المنتجة، والتبرع بجزء من العائد لله، كما يمكن أن نرشدهن إلى حمل هَم الفقراء والمحتاجين ومعونتهم في منطقتهن، أو اصطحاب الخَيِّرات لزيارتهم لتحفيزهن على العطاء).
المصادر:
1- خلق المسلم، محمد الغزالي، الإسكندرية- دار الدعوة، ط 3، 1411هـ- 1990م.
2- شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة، محمد علي الهاشمي، بيروت- دار البشائر الإسلامية، ط10، 2002م – 1423هـ.
3- ديوان الإمام الشافعي، محمد بن إدريس الشافعي.
[1] - معناه الحث على النفقة في الطاعة والنهي عن الإمساك والبخل وعن ادخار المال في الوعاء، فتجازي بأن يمنعك كما منعت، ويقتر عليك كما قترت، ويمسك فضله عنك كما أمسكته، وقيل: معنى لا تحصي: أي لا تعديه فتستكثريه فيكون سببًا لانقطاع إنفاقك.
[2] - جمع حلي، وهو ما تتخذه المرأة للزينة من سوار وخاتم وغيره.
هل أنت بخيل أم سخي؟
عجبا يفعل المرء بنفسه
يحرمها من حقها في الملذات الحلال
ويغلق علي ذويه وزوجه ابواب الخيرات
التي ساقها الله لهم
فهو يتطلع الى غد ربما لم يبلغه
ويدعي تأمين مستقبل
ربما كان شاهدا علي علله ومهلكه
وما جناه علي نفسه وغيره
من حرمان التمتع بحق العيش الحميد
فكدس الرزق الى أن كبر وسمن
وضعف هو وأهله وطعنوا ورق العظم
وعجزت الأقدام عن المسير
فتقوقع الجسد وتراكم في مكان
حتي أصبح لا يتحرك إلا بنقلات الغير
أو دفع لعجلات السير ،
البخل داء فتاك كم فرق بين أحباب، وأغلق بيوتاً، وهدم أسراً، ودمر مجتمعات، وزرع الحقد والغل في الصدور، فتقطعت الأواصر، وانصرمت الوشائج، وقام على أساسه سوق الحسد والبغض، وهو من أدوء الأدواء وأخبثها، يشعر بأن صاحبه لا يثق في الله تعالى، فهو دائماً يسيء الظن بخالقه، ويحسب أنه لن يرزقه، ولن يكرمه، وأن هذا الذي بين يديه من الخير والمال والنعمة لو انقضى فلن يأتي بعده خيرٌ، ولن يخلف الله عليه بسواه، وأن أمواله لو تصدق منها صار فقيراً معوزاً كالمتصدق عليهم، وما أيقن هؤلاء الظانين بالله ظن السوء أن المال لا تنقصه الصدقة بل تنميه وتبارك فيه.
وهو مع ذلك يمنع صاحبه السيادة فالبخيل ليس بسيد في قومه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سيدكم يا بني سلمة؟" قلنا: الجد بن قيس، على أنا نبخله. قال: "أي داء أدوى من البخل! بل سيدكم عمرو بن الجموح"(1).ـ البخاري (الادب المفرد)
الحرص على المال والشرف
عن كعب رضي الله عنه مرفوعاً :' ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه' صححه الترمذي .
الهلع والجبن
وقول الله تعالى : ' إن الإنسان خلق هلوعاً ' الآيتين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : ' شر ما في الرجل شح هالع ، وجبن خالع ' رواه أبو داود بسند جيد .
ولمسلم عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً : ' اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم ' .
وقول الله تعالى : ' الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ' وقوله تعالى : ' وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ' . عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' من سيدكم يا بني سلمة ؟ ـ قالوا الجد ابن قيس على أنا نبخله قال : وأي داء أدوأ من البخل ، بل سيدكم عمرو بن الجموح ' رواه البخاري في الأدب المفرد .
عقوبة البخل
وقول الله تعالى : ' سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ' فيه ' لا توعى فيوعى الله عليك كما في الحديث الآخر ' ارضخي يرضخ لك ' أي وسعي يوسع لك وقوله عليه السلام : ' اللهم اعط كل ممسك تلفاً وكل منفق خلفاً ' .
بلا ريب من منكم تسمون سيدا
فقالوا له جد بن قيس على التي
نبخله فيها وإن كان أسودا
فسود عمر بن الجموح لجوده
وحق لعمرو بالندى أن يسودا
إذا جاءه السؤال أذهب ماله
وقال خذوه إنه عائد غدا
فلو كنت يا جد بن قيس على التي
على مثلها عمرو لكنت مسودا
فانظر كيف عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم البخل داءً مانعاً من سيادة الرجل وإمامته قومه وتقدمه على عشيرته، وانظر كيف سود على القوم أنداهم كفاً وأوسعهم عطاء وأكرمهم وأبذلهم للمعروف.
وما يفعل العبد بالمال إن لم يكتسب به الحسنات ورفعة الدرجات، أو الذكر الحسن في الدنيا، والسعادة فيها مع السعادة الخالدة في الآخرة، وقد نسب إلى الإمام الشافعي أنه قال:
الناس بالناس ما دام الحياة بهم
والسعد لا شك تارات وهبات
وأسعد الناس من بين الورى رجل
تقضى على يده للناس حاجات
لا تمنعن يد المعروف عن أحد
ما دمت مقتدراً فالسعد تارات
واشكر فضائل صنع الله إذ جعلت
إليك لا لك عند الناس حاجات
قد مات قوم وما ماتت مآثرهم
وعاش قوم وهم في الناس أموات
وقد قال الله تعالى في محكم تنزيله ذاماً البخلاء: (وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وما يغني عنه ماله إذا تردى) [الليل: 7-10]، وهذا ذم ووعيد من الله للبخلاء بأن يجعل عاقبة أمرهم عسراً فلا يعرف اليسر والسهل إليهم سبيلاً وهذا حظ البخلاء يشقي أحدهم في جمع المال ويتعب ثم لا يجد من ذلك المال راحة لكونه لا يمتع به نفسه ولا ينعم به في حياته ولا يصرفه في وجوه الخير ولا يعرف لله فيه حقاً فيكون العسر الأكبر يوم القيامة فيحاسب على كل درهم ودينار فما أبأس البخلاء يعيشون عيش الفقراء ويحاسبون حساب الأغنياء.
وقد نهى الله تعالى نبيه الكريم عن البخل فقال: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً) [الإسراء: 29]، فلم يكن البخل يعرف طريقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من أندى الناس كفاً ما يقع شيء في كفه إلا أنفقه.
ووصف الله تعالى عباده المؤمنين الذين أضافهم إلى نفسه فسماهم عباد الرحمن فنفى عنهم البخل فقال: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوماً)[الفرقان:67]، وحذر الله تعالى البخلاء الذين يزين لهم الشيطان البخل والإمساك مبيناً أن البخل شر عظيم وداء عضال مهلك قال الله تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير)[آل عمران: 180].
ومع ذلك قد يفرح البخيل بما أمسكت يده، ويحسب أنه قد رابح، ويعجب بكثرة ماله، وما علم أن هذا المال سيطوقه في نار جهنم إن لم يرحمه الله.
وبين الحق جل وعلا أن البخل لا يعود ضرره إلاّ على أهله فقال عز من قائل: (هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)[محمد: 38].
نقيض البخل
الكرم خلق المسلم الأصيل ...يسمو به في مدارج الرفعة والإيمان ويجمله بين الخلائق ، وفضيلة تبلغ بصاحبها عظيم منازل الآخرة، وفسيح نَعْمائها، قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ...} (آل عمران: 133، 134).
فعدّ سبحانه أصحاب الجود والكرم والسخاء من الذين استوفوا الشرط الأول لدخول ميدان المنافسة والسباق إلى المغفرة والجنة، وتحققوا بالصفة الأولى لاستحقاق جزاء المتقين الذين أُعدَّت لهم جنات عظيمة الاتساع لا يحيط بنعيمها طول ولا عرض.وكأن التقوى التي تضيء في جنبات المؤمن، وتتألق في صدره، تحمله على أن يكون من أكثر الناس كرمًا، كلما رغب أن يزداد من الله قربًا، فكلما استشعر ما أعده الله من النعيم للكرماء الأسخياء الباذلين في سبيله ازداد سخاء وبذلاً، وكلما قويت صلته بالله ازداد شعوره بثمرات الكرم عمقًا، وزاد عطاؤه امتدادًا وسعة.
عطاؤك.. رصيد مذخور
فلا عجب أن يكون المسلم الحق كريمًا جوادًا، تنبسط يداه بالخير والعطاء، لتفيضا بهما على أهله وأقربائه وجيرانه وأصدقائه، بل ومجتمعه متى استطاع إلى ذلك سبيلاً، وامتلأت يداه.
فإنه حين ينفق ويبذل في سخاء يثق بأن ما يقدمه ويهبه لن يضيع؛ إذ هو يحتسبه مذخورًا له عند العليم الخبير، قال تعالى: {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} (البقرة: 273).
كما يثق بأن ما يبذله وينفقه هو أول من ينتفع ويستفيد به في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله، وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} (البقرة: 272).
فالمنفق الباذل ينتظره النماء والبركة والفضل، والممسك الشحيح ينتظره التلف والنقصان، كما أخبر النبي r: "ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا" (متفق عليه).
السخي قريب من الله
ولقد قدر الإسلام مكانة المال في نفوس أصحاب الأموال، ولم يهمل دوره الحيوي في المجتمع، فوجدنا دعوة الإسلام إلى الجود والإنفاق مستمرة دائمة تفيض بها نصوصه فيضًا، كما وجدنا حربه على الشح والبخل عظيمة ممتدة.
قال رسول الله r: "السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد عن النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالي من عابد بخيل" (رواه الترمذي).
فأي دلالة تلك التي يمكن أن يعيها المسلم عن فضل السخاء والكرم إذا وصل الأمر أن يصبح الجاهل خير من العابد الصوام القوام حين يكون بخيلاً، ذلك أن عبادة لا تهدي صاحبها إلى بذل الخيرات، ونفع الآخرين، والحنو على الفقراء والمحتاجين، هي عبادة فارغة المضمون، تشين صاحبها ولا تزينه عند الله، فإن شريعة الله لم تنزل لعباده إلا لتحقيق غايات نبيلة، وأخلاق كريمة يسعد بها بنو البشر جميعًا، ويأتي في الصدارة منها: تنشئة النفوس على فعل الخيرات، وإسداء المعروف، وبذل العون، لا ليسعد بها فاعلوها فحسب، بل لتنشر السعادة والأمان، ومشاعر الرأفة والحنان، وتوطِّد علاقات المودة والمحبة بين الناس على اختلاف طبقاتهم.
نعمة نغبط عليها
وإنه لشر ما بعده شر أن تتغلب طبائع الأثرة على الناس، فلا تهزهم السماحة إلى بذل، ولا إغداق النعم عليهم إلى الإنفاق؛ إذ ما بالك بمجتمع يعتاد أغنياؤه كنز أموالهم، وحرمان الفقراء حقوقهم المفروضة فيها من الزكوات والصدقات، إنه يصير غابة يزداد فيها الأغنياء تضخمًا وضراوة، ويتضوّر فيها الفقراء جوعًا ومسغبة، فضلاً عما يختلط بدماء المعدمين البؤساء عندئذ من الأحقاد والغل على أولئك الكانزين المترفين الممتلئين جشعًا وحرصًا.
من أجل ذلك، كان رسول الله r حريصًا على تأصيل فضيلة الكرم في نفوس أصحابه الأبرار، وجعلها من الفضائل التي رغّب وحسّن للمسلمين أن يتحلَّوا بها، ويتنافسوا فيها، فقال رسول الله r: "لا حسد إلا في اثنتين، رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها" (متفق عليه).
فسوّى رسول الله r بين إنفاق المال والسخاء به -إلى حد إهلاكه- في الحق، وبين الحكمة والقضاء بها وتعليمها، فيما ينبغي للمسلم ألا يغبط الآخرين إلا عليه، وذلك لما في البذل في سبيل الحق من وقع كبير، ونفع بالغ في حياة المسلمين الاجتماعية؛ فالمال عصب الحياة الحساس، وهلكته في سبيل الحق عمل عظيم لا يقل عن عبقرية ذي الحكمة الموهوب ونفعها للناس.
أفضل وسائل كسب القلوب
وكان صلوات الله وسلامه عليه يدرك ما للمال من أثر في النفوس، فاتخذه وسيلة لتأليف القلوب واستمالتها للإسلام، ولا يستكثر أن يبذل الكثير الكثير في سبيل كسب جديد إلى صف الدعوة؛ لأنه يعلم أن هذا الذي تطلع إلى المال أول الأمر، لن يلبث الإسلام متى دخل في شغاف قلبه، أن يحوله إلى إنسان آخر يكون بذله للإسلام أحبّ إليه، وأسعد لقلبه من الدنيا وما فيها، وهذا ما تحدثنا به الوقائع والحقائق لا الخيالات والأوهام.
يقول أنس بن مالك: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ r غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَسْلِمُوا فَوَاللهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ. ثم قال أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا" (رواه مسلم).
ولا عجب بعدئذ أن نجد في الجيل الأول من ارتفع إلى مستوى عالٍ من الجود، فإذا هو يجود بماله كله في سبيل الله، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، ومن يجود بنصف ماله كما فعل عمر رضي الله عنه، ومن يجهز جيشًا بأكمله كما فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه، حتى قال رسول الله r في مقالة ذات مغزى عميق: "مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ". مَرَّتَيْنِ (رواه الترمذي).
هذا المغزى مفاده: أن الفوز بخيري الدنيا والآخرة لا يحرزه إلا من نجح في قمع دوافع البخل في نفسه حتى عودها التكرم والسخاء، ويؤكده قوله تعالى: {وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (التغابن: 16).
وأن البذل الواسع، والكرم الفائض من أعظم أسباب محو الذنوب، ومغفرة الخطايا، قال تعالى: {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (البقرة: 271).
وتتضافر نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة في بيان وتأكيد أثر الصدقات العظيم في حاضر الإنسان ومستقبله ومعاده الأخروي، قال تعالى: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} (الليل: 5-7) فالتيسير يلازمه، والتوفيق يحالفه، وقال رسول الله r: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب" (رواه الطبراني في الكبير) فهو محفوظ في حياته، آمن من غضب الله في مآله.
وقال أيضًا r: "حصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة" (رواه أبو داود) فالصدقة تدفع البلاء، وتجلب الشفاء.
كما أنه ليس أشق على الشيطان، ولا أدحر لكيده، ولا أبطل لوسوسته، من إخراج الصدقات في سبيل الله، لما يعنيه هذا من يقين جازم وحازم بما يُدخَّر له عند الله من الثواب والأجر، قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة: 268).
كن كريمًا ولو كنت فقيرًا
فالمسلم الحق كريم مهما كان فقيرًا، ومهما كان عطاؤه قليلاً، فحسب الإسلام منه أن تموج في نفسه عاطفة الرحمة بمن هو أفقر منه؛ فجاءت نصوص عديدة تحض الفقراء على الإنفاق ولو بالقليل، بحسب استطاعتهم، لتبقى نفوسهم ريّانة بنداوة المشاركة الوجدانية لإخوانهم، ووعدهم الله، على نفقتهم مهما كانت يسيرة قليلة، أن يكافئهم عليها، ويُثمِّرها لهم، ويبارك فيها، حتى تصير كالطود الشامخ، شريطة أن تكون من كسب حلال، قال تعالى: {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (التوبة: 121).
وأخبرنا r أنه: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل" (رواه البخاري).
وذلك لئلا تجف ينابيع الخير والرحمة والتعاطف بين أفراد المجتمع المسلم، بل ولقد حذر الرسول الكريم من الإمساك والإقتار مهما كان ما لديك قليلاً يسيرًا؛ لأن في ذلك مهلكة وعذابًا وبوارًا، قال r: "اتقوا النار ولو بشق تمرة" (متفق عليه). وبذلك فعَّل الإسلام ونشَّط جميع الأفراد في بناء المجتمع وخدمته وتحسينه، وأدخل الراحة والسرور والابتهاج على قلوب أبنائه جميعًا بهذه المشاركة التي ترد للإنسان اعتباره، وتحفظ كرامته، وتحقق مثوبته.
وقد يحسب بعض الناس أن السخاء ينقص ثروتهم، أو يدنيهم من الفقر، أو يعرِّض أبناءهم للحاجة والمسألة من بعدهم، والإسلام انتبه إلى خطر هذا الحسبان الذي يمكن أن يحجب المسلم عن خير عميم يمكن أن يبذله، فأكد لنا النبي r أن هذا من وساوس الشيطان التي لا حقيقة لها، فإن الكرم طريق السعة، والسخاء سبب النماء؛ فقال r: "ثلاثة أقسم عليهن: ما نقص مال عبد من صدقة..." (رواه ابن ماجه).
وقال أيضًا r: "قال الله تبارك و تعالى: يا ابن آدم، أنفق أنفق عليك" (رواه مسلم). وكان r يوصي أسماء بنت أبي بكر بقوله: "أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك"[1] (متفق عليه).
بل واعتبر الإنفاق والحال هكذا من أعظم القربات، وذلك حين أتاه رجل يسأله أي الصدقة أفضل، وأعظمها أجرًا؟ فأجابه r قائلاً: "أن تَصدَّقَ وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا..." (متفق عليه).
ومن أجلى معاني الكرم وأدلها على إيمان المرء ونبله وخيره، إكرام الضيف، وحسن استضافته، قال r: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" (متفق عليه)، وقال أيضًا: "لا خير فيمن لا يضيف" (رواه أحمد).
وقد مدح الله الأنصار بما لاقوا به إخوانهم المهاجرين حين نزلوا ضيوفًا عليهم، من كرم عظيم، وسخاء عميم، أشادت به آيات القرآن الكريم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: 9).
لتبقي صورة الأنصار الوضيئة في القرآن منار هداية وإشعاع للإنسانية الضاربة في تيه المطامع والشح والإمساك، حيث لم يكفهم أن يبلغوا مرتبة الكرم والإحسان، حتى ارتقوا إلى درجة الإيثار.
أولى الناس بفضلك
وأقرباء المسلم أولى الناس وأجدرهم بنيل فضله، وإدراك نواله، سواء ممن كانوا ظاهري الحاجة والفقر، أو كانوا من المساكين المتعففين الذين لا يسألون الناس إلحافًا، لقوله r: "يا أمة محمد والذي بعثني بالحق، لا يقبل الله صدقة من رجل وله قرابة محتاجون إلى صلته ويصرفها إلى غيرهم، والذي نفسي بيده لا ينظر الله إليه يوم القيامة" (رواه الطبراني).
وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها قالت: قال رسول الله r: "تصدقن يا معشر النساء ولو من حُليِّكُن[2]" (رواه مسلم). فلما سمِعتْ ذلك وكان زوجها فقيرًا وأرادت أن تتصدق، سألت النبي r إن كان يجزئ عنها أن تتصدق على زوجها الفقير وأيتام في حجرها، فقال r مرغبًا في هذه الصدقة، ومُبشرًا بمضاعفة الأجر: "نعم أجر القرابة وأجر الصدقة".
ثم أكد على ذلك في مناسبة أخرى فقال: "الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة" (رواه الترمذي).
سخاؤك نعمة.. فلا تحولها لنقمة
لقد كان الإسلام رحيمًا واقعيًا بالمسلمين إذ لم يكلفهم ما لا يطيقون، ولم يطلب منهم إلا أن يبذلوا فضول أموالهم، ولم يَلُم ذوي الكفاف، أما ما زاد عن الحاجة فهو داخل في باب المنافسة في الكرم، والمسلم الحق لا يمسك في وجه من وجوه الخير؛ لأنه تعلم من هدي دينه أن في بذله خيرًا، وفي إمساكه شرًا، قال رسول الله r: "يا بن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تُلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير وأحب إلى الله من اليد السفلي" (رواه الترمذي)، كما يعلم أن الله إذا وفقه للعطاء والبذل في سبيله، فإنه ينبغي ألا يمن على من أعطاهم، لئلا يحبط عمله، ويضيع ثواب كرمه ونفقته، قال تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 262).
ويقول تعالى أيضًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى} (البقرة: 264).
بل إنه يسعي في إخفاء صدقته، وحفظ كرامة أخيه المحتاج، مستشعرًا فضل الله عليه الذي جعله من الباذلين، والأجر الجزيل بانتظاره؛ جزاء إدخال السرور على أخيه المسلم، وإخلاصه في تقديم صدقته، قال رسول الله r: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وذكر منهم: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (متفق عليه).
بل أنه ليتخير صدقته من أفضل ما عنده، رجاء وطلبًا لمنزلة الأبرار، قال تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} (آل عمران: 92)، وهي منزلة من أعلى منازل الجنان والنعيم، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ . كتاب مرقوم . يشهده المقربون . إن الأبرار لفي نعيم} (المطففين:18-22).
وإذا كان الكرم نعم الرصيد المذخور، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" وذكر أولَهُن التكرم والبذل فقال: "صدقة جارية.." (رواه مسلم)، كما هو زين للمرء بين الناس، وستر لعيبه، وجبر لهفواته وهناته، يقول الإمام الشافعي:
إذا كثرتْ عُيوبك في البَرايا *** وسرَّك أن يكون لها غِطاءُ
تستَّر بالسَّخاء فكلُّ عَيبٍ *** يُغطِّيه كما قِيلَ السَّخاءُ
ألا يدعونا ذلك أن نُعوّد أنفسنا الجود والعطاء، مهما كان ما نملكه قليلاً، لنظفر بخيري الدنيا والآخرة، اللذين لا ينالهما إلا من وُقي شُحَّ نفسه، قال تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
ومن الوسائل المعينة على قهر وغلبة رذيلة البخل في النفس، والتحلي بمكرمة وخليقة الكرم: أن نخصص جزءًا من مصروفنا الشهري للإنفاق على الفقراء والمحتاجين والأعمال الدعوية، والمشاركة في معارض التكافل بإرسال ملابس وخلافه، ونتصدق ولو باليسير من المال أسبوعيًا، ونتحرَّى إخراج زكاة المال والحلي في وقتها، ونشارك في فك ضائقة مسلم إذا أمكن (دين - تجهيز عروسة)، ولا ننفق الكثير على الكماليات لئلا تستغرق أموالنا فيفوتنا خير كثير، ونشجع الآخرين -وبخاصة نساؤنا وفتياتنا وبناتنا- على البذل ليعم الخير، ويزداد أجرنا؛ لأن الدال على الخير كفاعله، (فمثلاً ندعوهن إلى الإنتاج في معارض الأسر المنتجة، والتبرع بجزء من العائد لله، كما يمكن أن نرشدهن إلى حمل هَم الفقراء والمحتاجين ومعونتهم في منطقتهن، أو اصطحاب الخَيِّرات لزيارتهم لتحفيزهن على العطاء).
المصادر:
1- خلق المسلم، محمد الغزالي، الإسكندرية- دار الدعوة، ط 3، 1411هـ- 1990م.
2- شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة، محمد علي الهاشمي، بيروت- دار البشائر الإسلامية، ط10، 2002م – 1423هـ.
3- ديوان الإمام الشافعي، محمد بن إدريس الشافعي.
[1] - معناه الحث على النفقة في الطاعة والنهي عن الإمساك والبخل وعن ادخار المال في الوعاء، فتجازي بأن يمنعك كما منعت، ويقتر عليك كما قترت، ويمسك فضله عنك كما أمسكته، وقيل: معنى لا تحصي: أي لا تعديه فتستكثريه فيكون سببًا لانقطاع إنفاقك.
[2] - جمع حلي، وهو ما تتخذه المرأة للزينة من سوار وخاتم وغيره.